كان ذلك في صيف عام 1992، عندما قرر شاب يُدعى كريس ماكاندلس أن يترك خلفه كل شيء: المال، الهوية، والمدينة.
أراد أن يختبر الحياة كما لم يفعل أحد قبله… وجهًا لوجه مع الطبيعة، بلا وساطة، بلا ترف.
وصل إلى عمق البرية في ألاسكا، حيث وجد ملاذًا غريبًا: حافلة مهجورة، غطاها الزمن والثلج، لكنها بدت له كبيت مؤقت فيه شيء من الأمل.
عاش هناك لأكثر من مئة يوم، يأكل ما يجده، يكتب في مذكراته، ويقرأ الكتب، مؤمنًا بأن العزلة هي طريقه للحرية الحقيقية.
لكن شيئًا فشيئًا، بدأت الطبيعة تكشف وجهها القاسي.
نفدت المؤونة.
الأنهار التي عبرها سابقًا جفت أو فاضت.
والجسد الذي طالما حمله بثقة، بدأ ينهار ببطء.
وفي لحظة صمت رهيبة داخل الحافلة، كتب بخط متعب على ورقة صغيرة علّ أحدهم يراها:
> "أنا مصاب، على شفير الموت، وضعيف جدًا لأتمكن من المشي للخروج من هنا.
أنا وحيد تمامًا… وهذا ليس مزحة."
ورغم الجوع والهزال، التقط صورة أخيرة له، مبتسمًا… يلوّح للعالم. لم يكن يعلم أنها ستكون الوداع.
توفي كريس جوعًا بعد أيام قليلة، ويُعتقد أن بذورًا سامة ساهمت في تسريع موته.
لكن موته لم يكن نهاية قصته.
في عام 1996، نُشرت قصته في كتاب "Into the Wild"، الذي حوّل كريس إلى رمز. البعض رأى فيه مغامرًا حالمًا، والآخرون وصفوه بالمتهور.
وفي عام 2020، وبعد أن صار الناس يسافرون لموقع الحافلة مخاطرين بحياتهم، قررت السلطات إزالتها جوًا للحفاظ على سلامة الزوار.
ورغم أن الحافلة اختفت، بقيت قصة كريس... حية.
همسة صامتة عن الحلم، والخطر، وسؤال لا يزال يتردد:
هل كان يجب أن يحاول؟ أم أن البعض يولد ليخوض معارك لا يفهمها الآخرون؟
