في عددٍ كبير من النصوص المصرية القديمة، جرى النقل اللغوي بدقّة، لكن الفهم المعرفي والعلمي جاء منقوصًا.
الكلمات تُرجمت، غير أن وظائفها الحقيقية أسيء تفسيرها، لأن أوائل الباحثين قرأوا الألفاظ منفصلة عن سياقها العملي والمعرفي.
نشأ علم المصريات في القرن التاسع عشر، في بيئة فكرية أوروبية تقوم على فصلٍ صارم بين «العلم» و«الدين».
فكل ما يتعلّق بالسماء عُدّ أسطورة، وكل رمز فُسّر باعتباره طقسًا دينيًا.
غير أن العقل المصري القديم لم يكن يرى هذا الفصل أصلًا؛ إذ كان يعتبر الكون نظامًا واحدًا، تتداخل فيه المعرفة، والرمز، والتجربة.
من أبرز الأمثلة على ذلك مفهوم «الماعت».
فقد فسّره كثيرون على أنه مجرد عدالة أخلاقية أو قيمة دينية، بينما أوضح جيمس هنري برستد أن «الماعت» تمثل نظامًا كونيًا للاتزان والتنظيم، أشبه بقانون يحكم استقرار العالم.
إنها معيار للضبط والقياس والانتظام، لا مجرد فضيلة أخلاقية، لكن هذا البعد العلمي طُمِس حين حُصرت الكلمة في بعدها الديني فقط.
ومثال آخر كلمة «سخِم» (Sḫm)، التي تُرجمت شائعًا على أنها «قوة إلهية».
غير أن إريك هورنونغ بيّن أن معناها أعمق من ذلك؛ فهي تدل على القدرة على التأثير والتشغيل والتنفيذ.
أي أنها تشير إلى فاعلية أو طاقة مؤثرة، لا إلى سحر غامض. إنها وظيفة وقدرة عمل، وليست توصيفًا ميتافيزيقيًا مجردًا.
كما أن عددًا من النصوص الفلكية المصرية قُرئت على أنها أناشيد أو صلوات، فقط لأن النجوم فيها حملت أسماء آلهة.
أوتو نويجباور أكد أن هذه النصوص في حقيقتها جداول حسابية دقيقة لحركات الأجرام السماوية، لكن الخلط بين الاسم الرمزي والوظيفة العلمية أدّى إلى إسقاط بعدها الرياضي والفلكي.
طقس «فتح الفم» يُعد مثالًا آخر على هذا الخلل في الفهم.
فقد فُسّر طويلًا باعتباره طقسًا روحيًا بحتًا، في حين تُظهر الدراسات التفصيلية أنه يتضمن أدوات محددة، وتسلسلًا دقيقًا، وخطوات ثابتة.
هذا الانضباط الإجرائي دفع بعض الباحثين إلى اعتباره إجراءً تقنيًا يهدف إلى إعادة تفعيل وظائف حسية محددة، مثل الصوت والتنفس والإدراك، لا مجرد ممارسة رمزية.
حتى الرياضيات والهندسة المصرية لم تسلم من هذا الالتباس.
فقد بيّن مارشال كلاغِت أن كثيرًا من المسائل الرياضية كُتبت في قالب قصصي أو رمزي، ما جعلها تبدو وكأنها أساطير أو حكايات.
لكنها في جوهرها تعليم تقني، صيغ بهذه الطريقة لتسهيل الحفظ الشفهي ونقل المعرفة عبر الأجيال.
يعود هذا الخلل في الفهم إلى عدة أسباب؛ منها الخلفية الدينية للمترجمين الأوائل، الذين اعتادوا ربط الرمز بالدين فقط، ومنها طبيعة النص المصري نفسه الذي لا يفصل بين العلم والكون، إضافة إلى ضياع السياق العملي والأدوات المصاحبة للنصوص نتيجة اندثار الزمن وتدمير كثير من الآثار.
الخلاصة أن المشكلة ليست في النصوص، بل في طريقة قراءتنا لها.
نحن نقرأ الكلمات، لكننا نغفل الاستخدام.
نفسّر المقياس رمزًا، والضبط طقسًا، والمعادلة صلاة.
وربما يكون السؤال الأهم: إذا كان المصري القديم يكتب العلم بلغة رمزية، إما لحمايته أو لتيسير تعليمه، فهل الذي ضاع هو العلم نفسه، أم أننا فقدنا مفتاح القراءة؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق