﴿إِنّا عَرَضنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرضِ وَالجِبالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَها وَأَشفَقنَ مِنها وَحَمَلَهَا الإِنسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلومًا جَهولًا﴾ [الأحزاب: 72]


الأمانةُ هي عبوديّةُ الله في صفائها الأعلى؛ أن ينهض المكلَّف بحرية اختياره ليُخلِص العبودية لله وحده، بعدما خُيّر في عالم الذرّ وهو في هيئةٍ روحيّة.

 فمن اختار طريق التغيير المطلق، غير المحدود، حمل التكليف، ومن آثر السكون بقي غير مكلَّف، محدود التغيّر، مفطورًا على العبادة، لكنه في كينونةٍ جديدة ضيّقةٍ الصعود، مزيجٍ بين أصل روحه وهيئةٍ مقدَّرة لحياةٍ أخرى في الآخرة.

وهكذا اشترك الجميع—مكلَّفًا وغير مكلَّف—في خوض رحلة التشكّل؛ رحلة النموّ التي يُعاد فيها صوغُ الكينونات عبر مخاض الحياة الدنيا. 

ففي هذه الدنيا تتعرّض النفوس لضغوطٍ وصراعات تتبلور من خلالها هيئاتُها الجديدة؛ ولهذا ترى الحيوان يتألّم ويكافح للبقاء، وتتفاعل روحه—كروح الإنسان—مع العالم من حوله، حتى يتكوّن في الصورة التي سيُبعث عليها في الدار الآخرة.

غير أن المكلّف مُنح سقفًا لا حدّ له من الارتقاء، بقدر ما يقوّي إرادتَه ويتحرّر من كل العبوديات التي جُعلت امتحانًا له. 

وقد فُطرَ الإنسان على خمسِ ضغوطٍ تُمحّص إرادته وتختبر صفاءه: العجلة، والخوف، والكسل، والطمع، والكبر. فإذا انتصر على هذه الضغوط تحرّر، وإذا خضع لها عاد عبدًا لغير الله، وانحرف عن المسار الذي اختاره يوم حمل الأمانة.

ولهذا كانت العبادات مصاهرَ للإرادة؛ ففي كل سجدة وامتناع، وفي كل صبرٍ وطاعة، تُطرَق الإرادة طرقًا وتُصقل صقلًا، فتشتدّ وتسمو، أو تضعف وتنطفئ.

 وكلّما انهزمت الإرادة أمام الضغوط الخمس، عادت النفسُ إلى معتقداتها السلبية، وتولّد في داخل الإنسان قلقٌ وحزنٌ واضطراب؛ لا عقوبةً، بل إنذارًا سماويًّا يُخبره أن وجهته قد التبست.

أمّا إذا ضُبطت الإرادة بالوعي والإيمان، وعُجنَت بالعبادات عجْنًا، انقلبت تلك الضغوط من عوائق إلى وقودٍ للنموّ؛ فيرتفع العبد فوق أهوائه، ويبلغ مقام الحرية الحقيقية. 

فالعبوديّة لله ليست انكسارًا ولا ضعفًا، بل هي التدريب الإلهي الذي تُستخرج به أعظم قوى الإنسان، حتى يغدو حرًّا من الخلق، ومن الظروف، ومن الخوف من الغد، وينال الطمأنينة التي لا تُمنح إلا لمن وحّد العبودية.

فالطمأنينة هي العلامة الفاصلة؛ تُخبرك إن كانت إرادتك ساميةً فوّضت أمرها لله، أم منهزمةً أسلمتك إلى عبوديّات شتّى.

 ومن هنا جاء الخذلان الذي يصيب من يفعل الخير طلبًا لرضا الناس؛ فإذا جحدوه، انقلب الخير ألمًا، لأن النية خرجت عن مسارها.

 وكذلك من يسعى للنجاح ليُرضي الخلق لا الخالق؛ ينجز كثيرًا ويقلق أكثر، لأن الإرادة تاهت عن أصلها.

ومن صور الاضطراب أيضًا: الإحباط عند فوات التوقعات، والسخط عند البلاء، والغيرة عند تمييز الله غيرَك عليك؛ وهي ابتلاءاتٌ تُمحّص الثقة بالله، وقد سقط إبليس في مثلها حين ابتُلي بخلق آدم.

وهكذا صُمّم نظام النفس ليعيدك إلى مركزك كلّما انحرفت؛ يُعيد ترتيب بوصلتك، ويُذكّرك أن الاضطراب نداءٌ لا عقوبة. 

فإذا أحسنت قراءة النداء، وضبطت النيّة، واستقامت الإرادة، انسجمت مع الفطرة والغاية الإلهية، وبلغت عبوديّة الله التي تثمر الطمأنينة: أعلى درجات السلام الداخلي، وأصدق شاهدٍ على إرادةٍ عظيمةٍ أخلصت العبودية لله وحده، فأصبحت نفسًا حرّةً، طاهرة، لا تُقيّدها أغلال الهوى ولا الأسقام الداخلية.