في أعماق عالم الحشرات، توجد مخلوقات لا تعتمد على القوة ولا السرعة كي تبقى حيّة، بل على الخداع الباهر الذي يصعب على العقل تصديقه.

 فهناك خنافس صغيرة، تكاد تُخفى عن العين، طوّرت عبر ملايين السنين فنًّا معقّدًا يجعلها تعيش وسط مستعمرات النمل الأبيض كأنها فرد أصيل من العشّ، لا تُمسّ بسوء ولا تُشكّ في أمرها.

هذه الخنافس لا تقتحم المستعمرة قسرًا، بل تدخلها بثقة هادئة، وقد أعادت تشكيل نفسها لتتماهى مع سكانها الحقيقيين.

 شكلها الخارجي يشبه صغار النمل الأبيض، ولونها يكاد يتطابق مع لونهم، لكن العجب الأكبر لا يكمن في المظهر وحده؛ إنما في الرائحة.

 فهي تفرز مواد كيميائية تجعل النمل الأبيض يظن أنها “من الدم واللحم نفسه”، فيعاملها بالرعاية نفسها التي يمنحها لصغاره.

وحين تستقر في أعماق العشّ، تبدأ المرحلة الأدهى:

 فإذا اقترب منها أحد النمل الحارس، رفعت قرون استشعارها في سلوك مقلَّد بعناية، وإذا لامسها فرد آخر، أصدرت روائح دقيقة تبث الطمأنينة في قلوبهم. 

ولأن النمل الأبيض يعتمد على الرائحة أكثر من بصره، فإن الخنفساء تمر بينهم مرور أحد أفراد العائلة، لا يُسأل عن نسبه ولا يُفتَّش عن هويته.

داخل هذا النظام الاجتماعي المعقّد، تحصل الخنفساء على طعامها بلا عناء؛ إذ يتولى النمل الأبيض تغذيتها كما يغذّي صغاره، عبر تمرير الطعام المهضوم مباشرةً إليها.

 تعيش مرفّهة، آمنة، مستظلة بقوةٍ ليست قوتها، مستفيدة من عمل آلاف العمال الذين يظنون أنها كائن ضعيف لا يقوى على العيش وحده.

ومع مرور الوقت، تبقى الحقيقة وحدها صامتة:

 الكائن المدلّل ليس سوى دخيل بارع، يخفي خلف مظهره البريء قدرة مذهلة على تقليد الحياة، والاندماج في منظومة لا تنتمي إليه. 

ومع ذلك، لا يظهر عليه أثر للخوف ولا للارتباك؛ فهو يعيش حياة كاملة داخل عالم ليس عالمه، متقنًا فنّ البقاء عبر الخداع بدل الصراع.