ذلك الصوت… صوت العظم وهو ينكسر، والصراخ المكبوت الذي خرج من صدر أمي، والدم الذي بدأ يسيل بين أصابعها.
استيقظ هنري باكيًا.
وأنا… لم أتحرك.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
كنت واقفة فقط، أحدّق، وأفهم للمرة الأولى أن العالم يمكن أن ينكسر في ثانية واحدة.
سحبوني إلى الخارج.
لم يسمحوا لي أن آخذ معطفًا، ولا حذاءً مناسبًا.
في الساحة، كانت هناك شاحنة مغطاة بالقماش، وبداخلها فتيات أخريات يُدفعن بعنف.
تعرفت على بعض الوجوه:
سيمون ابنة الخباز،
مارغريت التي تعمل في الصيدلية،
فتيات من القرية والقرى المجاورة.
كنا سبع عشرة فتاة، تتراوح أعمارنا بين السادسة عشرة واثنتين وعشرين سنة.
لم يشرحوا شيئًا.
لم يقرأوا تهمًا.
لم يقدّموا سببًا.
كان الاختيار يتم بصمت:
إصبع يشير،
يد تمسك،
جسد يُرمى داخل الشاحنة.
انطلقت الشاحنة.
وبقيت أمي خلفنا، واقفة عند باب البيت المكسور، يدها مكسورة، ودمها على ثوبها، وعيونها معلّقة في الفراغ.
نقلونا إلى مبنى قديم خارج المدينة.
ثكنة مهجورة تحوّلت إلى مركز احتجاز.
غرف باردة، جدران رطبة، نوافذ عالية، ورائحة خوف لا تُخطئها الأنف.
بعد ساعات طويلة من الانتظار، بدأوا ينادون الأسماء.
واحدًا تلو الآخر.
عندما نُودي اسمي، أدخلوني إلى غرفة صغيرة.
فيها مكتب خشبي، كرسيان، ومصباح واحد معلّق في السقف.
خلف المكتب جلس ضابط ألماني برتبة قائد.
رجل في الأربعين تقريبًا.
نظيف.
مرتب.
يبتسم بهدوء.
أشار لي بالجلوس.
قدّم لي كوب ماء.
قال بصوت هادئ:
«أنتِ صغيرة… ولا تبدين كالمقاومات.»
ثم وضع أمامي ورقة، وقال الجملة التي غيّرت حياتي إلى الأبد:
«لديكِ ثلاثة خيارات.»
نظر إليّ كمن يشرح قواعد لعبة.
قال:
الخيار الأول:
أنتِ تتعاونين.
تعطيننا أسماء أشخاص في قريتك يُشتبه في تعاونهم مع المقاومة.
نعتقلكِ أيامًا قليلة، ثم تعودين إلى بيتك.
تعيشين.
الخيار الثاني:
ترفضين الكلام.
تُنقلين إلى معسكر عمل في ألمانيا.
الطريق طويل.
العمل قاسٍ.
والبقاء ليس مضمونًا.
الخيار الثالث:
تصمتي تمامًا.
الآن.
وهنا.
ويُعتبر صمتك اعترافًا.
وتُعدَمين.
ثم قال بهدوء مرعب:
«اختاري.»
كنت في السادسة عشرة.
لم أكن من المقاومة.
لم أكن أعرف أسماء.
لم أكن أفهم السياسة.
كنت أعرف فقط أمي، وأخي، وبيتي، ومدرستي، وحلمي بأن أكون ممرضة.
سألته:
«وإذا أعطيتكم أسماء…؟»
ابتسم وقال:
«سيُعتقلون بدلًا منكِ.»
فهمت فورًا.
الخيار الأول يعني أن أعيش على موت الآخرين.
الخيار الثاني يعني أن أختفي ببطء في مكان لا يعود منه الناس.
الخيار الثالث يعني الموت الآن.
ثلاثة خيارات.
ولا واحد منها إنساني.
صمتُّ.
طويلاً.
كنت أسمع دقات قلبي أعلى من صوت أنفاسي.
أفكر في أمي.
في هنري.
في يديها المكسورة.
في وجهه الصغير وهو يبكي.
ثم… نطقت.
أعطيت اسمين.
اسمين عشوائيين.
رجال أعرفهم من القرية.
لم يكونوا من المقاومة.
لكنني قلت اسميهما.
لم أمت.
لم أُعدم.
لم أُرسل إلى المعسكر.
عدت إلى البيت بعد أيام.
بعد أسابيع… اختفى الرجلان.
قيل إنهما أُعدما.
قيل إنهما نُقلا ولم يعودا.
لم أعرف الحقيقة كاملة.
لكنني عرفت أنني السبب.
عشت.
تزوجت.
أنجبت.
كبرت.
ضحكت.
عملت.
عشت حياة تبدو طبيعية.
لكن في داخلي…
هناك دائمًا تلك الغرفة.
ذلك المكتب.
ذلك الصوت الهادئ.
وتلك الجملة:
«لديكِ ثلاثة خيارات.»
أنا اليوم امرأة عجوز.
لكن في داخلي ما زالت هناك فتاة في السادسة عشرة،
تجلس على كرسي خشبي،
أمام رجل يبتسم،
وتحاول أن تختار أقل الطرق وحشية…
ولا تجد أي طريق.
بعض القصص لا تنتهي.
هي فقط تصمت.
وتعيش داخل أصحابها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق