في زمنٍ كان الولادة فيه اختبارًا قاسيًا للحياة، كانت النساء يدخلن المخاض وهنّ يدركن أن الموت يقف خلف الباب، يترصّد لحظة ضعفٍ واحدة.

 لم يكن هناك علمٌ واضح، ولا أدواتٌ تنقذ، ولا فهمٌ حقيقي لِمَ كان أجساد الأمهات تنطفئ فجأة وسط صرخات الألم.

من بين ذلك الخراب، برزت امرأة قررت أن ما يجري ليس قدرًا، بل جهلٌ يمكن كسره.

وُلدت أنجيليك دو كودري في فرنسا، في عصرٍ كان الطب فيه بابًا مغلقًا لا يُفتح إلا بيد رجل. 

ومع ذلك، شقّت طريقها بمهارةٍ نادرة، حتى أصبحت من أبرع ممارسات التوليد.

 لكنها أدركت مبكرًا أن براعتها وحدها لا تكفي؛ فبلدٌ كامل كان ينزف أمهاتٍ وأطفالًا، وكانت الحاجة أكبر من يدٍ واحدة.

عام 1759، أُعطيت مهمة لم تُعطَ لامرأة قبلها: أن تعبر القرى والبلدات، وأن تُعلّم كل من يريد، مهما كان بسيطًا أو فقيرًا، كيف يُنقِذ حياة امرأة تقف على حدود الموت.

كانت تسافر بصندوقٍ فيه سرّها الأعظم: نموذجٌ تشريحي مصنوع من القماش والجلد، يحاكي جسد المرأة والجنين بكل تفاصيلهما.

 كان المتدربون لأول مرة يتدرّبون دون خوف، ويجرّبون أصعب حالات الولادة دون أن تُزهق روحٌ حقيقية. 

كانت الأيدي ترتجف في البداية، لكن التدريب المتكرر كان يحوّل الخوف إلى مهارة، والجهل إلى قدرة.

ومع كل قرية تصلها، كان الموت يتراجع خطوة. 

نِسَبُ الوفيات تهبط، وصراخ الأطفال حديثي الولادة يعلو من البيوت التي اعتادت الصمت.

 لم تكن تملك منصبًا رسميًا كبيرًا، ولا ألقابًا مُذهّبة، لكنها امتلكت ما لم يملكه غيرها: إصرارٌ على أن المعرفة يجب أن تصل حتى لآخر بيتٍ في أبعد الريف.

بعد ثلاثين عامًا من السفر والتعليم، تركت وراءها أجيالًا من القابلات يعرفن ما كان مجهولًا، ويمسكن بحياة الأمهات بثباتٍ ووعي. 

وكل غرفة ولادة حديثة اليوم تحمل جزءًا من إرثها، حتى لو لم يذكر أحد اسمها.