كان هناك زمنٌ تسير فيه أيام رياض الأطفال على إيقاعٍ ثابت، مألوف، كأنه خارج عن الزمن.
بعد انتهاء الأغاني.
بعد أن تُستهلك الألوان الشمعية، وتلتصق الأصابع ببقايا الوجبات الصغيرة وعلب الحليب…
كان الصف يهدأ.
تُخفَّض الأضواء.
تُوضَع أسطوانة موسيقية برفق على جهاز التشغيل.
تخشخش الإبرة قليلًا، ثم تستقر على لحنٍ بطيء، هادئ.
ويستلقي عشرون طفلًا صغيرًا.
فرش النوم مصطفّة على الأرض.
الأحذية تحت الأسرة الصغيرة.
بطانيات مألوفة تُسحب حتى الذقون.
غرفة كاملة من أطفال الخامسة يتعلّمون، معًا، كيف يكون السكون.
كان هذا هو وقت القيلولة — ولمدة عقود، كان له معنى حقيقي.
في خمسينيات وستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي، لم تكن الراحة في رياض الأطفال تفصيلًا ثانويًا،
ولا وسيلة لملء الوقت،
ولا إجراءً شكليًا.
كانت جزءًا من التربية.
كان المعلّمون يدركون حقيقة بسيطة وعميقة:
الأطفال يحتاجون إلى الهدوء.
ليس النوم فقط، بل التوقّف.
لحظة تهدأ فيها المشاعر، وتسترخي فيها العقول الصغيرة دون ضغط.
الراحة لم تكن رفاهية… كانت رعاية.
العلم دعم ذلك أيضًا.
الأدمغة والأجهزة العصبية في طور النمو تحتاج إلى فترات سكون لتعيد التوازن والنمو.
الهدوء لم يكن خيارًا… بل ضرورة.
كان المعلّمون حُرّاس الطمأنينة.
يمشون بهدوء بين الصفوف.
يقرؤون بصوت منخفض.
يعدّلون البطانيات.
يقفون في نصف الضوء كحماةٍ لطفولةٍ هادئة وسط عالمٍ صاخب.
بعض الأطفال كانوا ينامون بعمق، منهكين من مجرد كون كل شيء في حياتهم جديدًا.
وآخرون يبقون مستيقظين، يحدّقون في السقف، يعدّون البلاطات، يراقبون ذرات الغبار في خيوط الشمس الرفيعة.
يدخلون في أحلام يقظة هادئة — تلك التي لا يعرفها إلا الأطفال، حيث يتمدّد الزمن، ولا أحد يطلب منك أن تسرع.
حتى من كانوا يقاومون النوم، تعلّموا درسًا عميقًا:
أن الراحة ليست فشلًا.
أن السكون ليس وقتًا ضائعًا.
أن التوقّف لا يعني التراجع.
بالنسبة لكثيرين، كانت القيلولة هي اللحظة الوحيدة الهادئة في يومٍ صاخب ومزدحم —
جسرًا هادئًا بين الغداء والتعلّم،
بين الأرقام والملعب.
ثم… تغيّر كل شيء ببطء.
مع أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، أصبحت رياض الأطفال أقل دهشة، وأكثر “جاهزية”.
دخلت الأكاديميات مبكرًا.
ضاقت الجداول.
ظهرت المعايير والاختبارات.
وبدأت الطفولة تُعاش بسرعة.
بدت القيلولة غير “فعّالة”.
غير “منتِجة”.
شيئًا يمكن الاستغناء عنه.
فاختفت الفرش.
واختفت الأسطوانات.
واختفى الهدوء.
وحلّ محلّه التعليم المتواصل، ثم الشاشات، ثم الحركة الدائمة.
وبحلول التسعينيات، كانت القيلولة قد اختفت تقريبًا من رياض الأطفال الحكومية.
اليوم، ينتقل الأطفال من مهمة إلى أخرى دون توقّف.
قراءة، رياضيات، شاشات، طعام، دروس أخرى.
الفسحة أقصر — إن وُجدت أصلًا.
لا أضواء تُخفَّض.
لا زفير جماعي هادئ.
ثم نتساءل: لماذا يرتفع القلق في سن مبكرة؟
الذين عاشوا تلك المرحلة ما زالوا يتذكرون التفاصيل:
الفرش المخططة،
الموسيقى الهادئة،
رائحة البطانيات المألوفة،
والراحة العميقة حين كان يُقال لك: “لا بأس أن تتوقف قليلًا”.
القيلولة لم تكن في الحقيقة عن النوم.
كانت درسًا في قيمة الراحة.
في معنى الهدوء.
في أن القيمة الإنسانية لا تُقاس بالإنتاجية المستمرة.
درسٌ تعلّمناه بصمت — ولم ننتبه له إلا بعدما كبرنا في عالم لا يتوقّف، ويُشعرك بالذنب لأنك تحتاج للراحة.
ربما هذا هو الدرس الذي يستحق أن نُعيده.
للآباء.
للمعلّمين.
ولكل إنسانٍ أنهكه ضغط “المزيد دائمًا”.
في يومٍ ما، كنّا نعلّم الأطفال أن التوقّف جزء من التعلّم.
لم نتخلَّ عن ذلك لأن الطفولة تغيّرت…
بل لأننا نسينا كيف نبطئ.
كان هناك وقتٌ نُطفئ فيه الأنوار،
نشغّل موسيقى هادئة،
ونمنح غرفة كاملة من الأطفال الإذن بأن يكونوا فقط… بلا طلب، بلا ضغط، بلا استعجال.
ربما حان الوقت أن نتذكّر كيف نفعل ذلك من جديد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق