فجسم قد يصل وزنه إلى أربعين طنًا يبدأ بالهبوط ببطء شديد نحو أعماق المحيط، سقوط هادئ قد يستمر لساعات، إلى أن تستقر الجثة في صمتٍ كامل على قاع البحر، في مكان لا يصل إليه الضوء ولا يُسمع فيه صوت، ومع ذلك فالحياة هناك لا تتوقف، بل تعمل وفق قوانينها الخاصة.
في تلك الأعماق، لا يُعدّ الموت نهاية، بل بداية لسلسلة متكاملة من أشكال الحياة التي تتكوّن حول هذا الجسد العملاق.
أوّل من يصل إلى الجثة هم آكلو الجيف من الكائنات البحرية، مثل الأسماك المخاطية، والقروش العميقة، والأخطبوطات، حيث تبدأ باستهلاك الدهون والعضلات تدريجيًا، مستفيدة من الكتلة الهائلة من الطاقة المخزّنة، إلى أن لا يتبقى في النهاية سوى الغضاريف والعظام.
غير أن المرحلة الأغرب لم تبدأ بعد.
فبعد اختفاء اللحم، تظهر كائنات متخصصة تُعرف باسم ديدان الأوسيداكس، وهي ديدان لا تتغذى على اللحم، بل على العظام نفسها.
تقوم بحفر تراكيب شبيهة بالجذور داخل الهيكل العظمي، لتصل إلى نخاع العظام وتهضم الدهون المختزنة فيه، في ظاهرة فريدة لا مثيل لها في أي نظام بيئي آخر.
خلال هذه العملية، تنتشر البكتيريا بكثافة حول الجثة، ويتحوّل المكان بأكمله إلى مصدر غذائي ضخم، يدعم الكائنات الدقيقة، والتي بدورها تُغذّي كائنات أكبر، فتتشكل شبكة غذائية كاملة من العدم.
جثة حوت واحدة قادرة على إعالة أكثر من مئة نوع من الكائنات البحرية، ليس لأيام أو شهور، بل لسنوات طويلة، وأحيانًا لعقود كاملة.
أطلق العلماء على هذه الظاهرة اسم “نظام سقوط الحيتان”، وهو نظام بيئي نادر للغاية لا يوجد إلا في أعماق المحيطات، في مناطق الظلام الدامس، حيث يتحوّل الموت ذاته إلى عالم متكامل قائم بذاته.
في أعماق البحر، لا تمثّل جثة الحوت نهاية للحياة، بل دليلًا واضحًا على أن الحياة قادرة دائمًا على الاستمرار، حتى وهي تولد من قلب الموت.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق