لطالما اعتُبر الضوء رمزًا للسرعة المطلقة في الكون، فحدّد أينشتاين في نظريته النسبية الخاصة أن سرعته في الفراغ، نحو 300 ألف كيلومتر في الثانية، هي الحد الأعلى لكل انتقال طبيعي.
ومع ذلك، كشفت التجارب الحديثة عن إمكانية إبطاء الضوء بشكل مذهل، وهو اكتشاف فتح آفاقًا جديدة في الفيزياء والاتصالات وفهم طبيعة الزمن والمادة.
في عام 1999، نجحت العالمة الدنماركية ليلى هاو وفريقها في جامعة هارفارد في تقليص سرعة الضوء إلى نحو 17 مترًا في الثانية باستخدام غاز الصوديوم المبرد جدًا إلى ما يقارب الصفر المطلق، حيث دخل في حالة تكاثف بوز-أينشتاين.
استُخدمت ظاهرة الشفافية المحفزة كهرومغناطيسيًا لإبطاء الفوتونات وتخزين معلوماتها داخل الذرات، ما سمح "بإيقاف الضوء مؤقتًا" وإعادة إطلاقه لاحقًا.
التجارب اللاحقة طورت الفكرة أكثر، فتمكن العلماء في هارفارد عام 2001 من إيقاف الضوء تمامًا داخل الغاز، وفي 2013 استخدمت بلورات صلبة للاحتفاظ به.
أما في الصين واليابان، فقد أصبحت هذه الظاهرة أساسًا لتخزين البيانات الضوئية وإطلاقها عند الحاجة، بما يشبه الذاكرة الضوئية.
تطبيقات هذه التقنية شملت:
الاتصالات الكمومية لتخزين ونقل المعلومات بأمان وكفاءة.
الحوسبة الضوئية التي تستخدم الضوء بدل الإلكترونات، بسرعات أعلى واستهلاك أقل للطاقة.
دراسة العلاقة بين الضوء والمادة لتعميق فهم قوانين الكم والنسبية.
إنشاء أنظمة تخزين ضوئي للمعلومات لفترات طويلة، ما يعزز أمن البيانات.
تجربة إبطاء الضوء لم تكن مجرد إنجاز تقني، بل طرحت تساؤلات فلسفية وعلمية عن الزمن وحدود السرعة القصوى في الكون، مؤكدة أن قوانين الطبيعة قابلة لإعادة النظر مع كل اكتشاف جديد.
ما بدأ في مختبر صغير باستخدام ذرات الصوديوم فائقة البرودة أصبح اليوم قاعدة لأبحاث مستقبلية قد تعيد صياغة فهمنا للضوء والمادة والزمن نفسه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق