لم يكن ما حدث احتفالًا، ولا كانت هناك موسيقى أو بهجة. كانت أجسادٌ تتحرك قسرًا، كأن إرادتها سُلبت منها.
في صيف عام 1518، تحوّلت شوارع مدينة ستراسبورغ إلى مشهد من الرعب الحي. بدأت القصة بامرأة واحدة شرعت في الرقص بعنف، لساعات طويلة بلا توقّف.
تشققت قدماها، وسال الدم على حجارة الطرقات، وعيناها جامدتان كأن روحًا غريبة استوطنت جسدها. ومع ذلك… لم تتوقف.
في اليوم التالي، لم تعد وحدها.
انضم إليها ثلاثون شخصًا.
وبعد أسبوع، تجاوز العدد المئة.
وبعد شهر واحد، كان نحو أربعمئة جسد يتحرك وكأنه مسحور.
لم تكن المدينة تسمع ضحكًا، بل صراخًا.
أناس يرقصون وهم يبكون،
يرقصون وهم يحتضرون.
كان بعضهم يسقط أرضًا من الإعياء، فتُسحب أجسادهم جانبًا، ثم لا يلبثون أن ينهضوا بعد ساعات ليواصلوا الرقص من جديد.
كانوا يرقصون حتى تتوقف قلوبهم، حتى يجف الدم في عروقهم، حتى ينهار الجسد قبل أن يسمح له العقل بالتوقف.
وفي ذروة هذا الجنون، كان العشرات يموتون يوميًا.
لم يكن هناك طاعون، ولا سمّ، ولا عدوّ مرئي.
كان هناك شيء واحد فقط: الخوف، حين يستولي على الجسد.
ارتكبت السلطات حينها خطأً قاتلًا.
ظنّت أن العلاج هو المزيد من الرقص.
بُنيت المسارح، وجُلب الموسيقيون، وتحولت الساحات العامة إلى مذابح بطيئة. بدل أن ينحسر ما يحدث، ازداد انتشارًا وحدة.
وعندما أُدركت الحقيقة، كان الأوان قد فات.
فُرض حظر على الرقص، وأُغلقت الموسيقى.
نُقل الراقصون المنهارون إلى ضريح القديس فيتوس، حفاة، بأحذية حمراء ملطخة بالدم، يصلّون ويتوسلون أن تتوقف أجسادهم عن الحركة.
وببطء… توقفت الرقصة.
لا لأن أحدًا فهم ما حدث،
بل لأن الخوف نفسه أنهك.
ما جرى لم يكن مرضًا عضويًا،
بل انهيارًا جماعيًا للعقل البشري.
فعندما يجوع الناس، ويخافون، ويؤمنون بلعنة،
يُطيع الجسد الخرافة… حتى الموت.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق