في عام 1917، داخل أحد أجنحة مستشفى الأمراض النفسية في فيينا، وقف طبيب أمام مرضى حُكم عليهم بالموت البطيء.

 لم يكونوا مجانين كما كان يُظن، بل كانوا ضحايا المرحلة الأخيرة من مرض الزهري، حين يهاجم الدماغ ويفتك بالعقل والجسد معًا.

 شلل تدريجي، هلوسات، نوبات عنيفة، وانحدار لا رجعة فيه نحو النهاية. لم يكن هناك علاج، ولا أمل، ولا حتى محاولة حقيقية للإنقاذ.

في خضم هذا اليأس، لاحظ الطبيب يوليوس فاغنر-ياوريغ أمرًا غريبًا تكرر أمامه على مرّ السنين: بعض المرضى الذين أصيبوا بعدوى شديدة مصحوبة بحمى مرتفعة أظهروا تحسنًا غير متوقع في أعراضهم العصبية.

 الحمى، التي كان يُنظر إليها كعدو يجب خفضه، بدت وكأنها تعيد ضبط شيء عميق داخل الجسد.

ومن هنا وُلدت فكرة صادمة.

 ماذا لو استُخدمت الحمى نفسها كسلاح؟ ماذا لو أمكن محاربة مرض قاتل بمرض آخر؟

اختار الملاريا لسبب واحد حاسم: يمكن السيطرة عليها.

 فبعد أن تؤدي الحمى دورها، يمكن القضاء عليها بالكينين.

 في يونيو 1917، حُقن أحد مرضى الزهري المتقدم بدمٍ مأخوذ من جندي مصاب بالملاريا.

 وبعد أيام، بدأت الحمى العنيفة.

 درجات حرارة مرتفعة، ارتعاش، هذيان، وإرهاق يكاد يحطم الجسد.

 كان المشهد أقرب إلى التعذيب، لكن داخل هذا الجسد المرهق كانت تحدث معركة خفية.

بكتيريا الزهري لا تحتمل الحرارة العالية لفترات طويلة. 

ومع تكرار نوبات الحمى، بدأت تموت.

 وبعد عشرات الأيام، أُعطي المريض الكينين، فتلاشت الملاريا، وبقي الجسد… حيًا.

 الأسابيع التالية حملت المفاجأة: توقفت الهلوسات، تحسن التوازن، وتوقف تدهور المرض. لم تُمحَ الأضرار السابقة، لكن الموت لم يعد يتقدم.

تكررت التجربة، وتكررت النتائج. 

من بين أوائل المرضى، تحسّن معظمهم، وعاد بعضهم إلى بيوتهم، بل وإلى العمل. 

أمر لم يكن ممكنًا قبل ذلك أبدًا.

 انتشرت الطريقة في أوروبا وأمريكا، وأصبحت علاجًا معتمدًا لسنوات طويلة، رغم مخاطرها وقسوتها.

في عام 1927، مُنح فاغنر-ياوريغ جائزة نوبل في الطب، تقديرًا لاكتشافه القيمة العلاجية لعدوى الملاريا في علاج الزهري العصبي.

 لم يكن إنجازه دواءً كيميائيًا، بل فهمًا عميقًا لطبيعة الجسد: أن الإنسان ليس مجرد ضحية للمرض، بل يمتلك داخله أدوات دفاع يمكن، في ظروف معينة، تسخيرها بجرأة محسوبة.

استمر هذا العلاج حتى أربعينيات القرن الماضي، حين ظهر البنسلين وغيّر كل شيء، مقدّمًا علاجًا آمنًا وفعّالًا دون معاناة الحمى والمخاطر.

 وهكذا تحوّل ذلك الاكتشاف الجريء إلى صفحة من التاريخ، بعد أن أنقذ آلاف الأرواح.