لم يسمع أحد دويّ انفجار نووي، ولم تُطلق صفارات إنذار، ولم تُعلَن حالة طوارئ أو حرب.
ومع ذلك، شهد عام 1957 واحدة من أخطر الكوارث الإشعاعية في التاريخ الحديث، كارثة حدثت في صمت، وحصدت ضحاياها ببطء، ثم اختفت من الذاكرة لعقود.
في قلب الاتحاد السوفيتي، بالقرب من مدينة تشيليابينسك، كانت توجد منشأة نووية شديدة السرية تُعرف باسم «ماياك».
لم تكن هذه المنشأة تظهر على الخرائط، ولم يكن مسموحًا بالحديث عنها، فقد أُنشئت خصيصًا لمعالجة وتخزين النفايات النووية الناتجة عن البرنامج العسكري السوفيتي.
كل شيء هناك كان محاطًا بالصمت، ومحصنًا بالكتمان.
في إحدى ليالي شهر سبتمبر من عام 1957، تعطّل نظام التبريد في خزان يحتوي على نفايات نووية عالية الإشعاع.
ومع ارتفاع الحرارة داخل الخزان، وقع انفجار كيميائي عنيف.
لم يكن انفجارًا نوويًا، لكنه كان كافيًا لإطلاق كميات هائلة من المواد المشعة إلى الغلاف الجوي.
سحابة إشعاعية قاتلة ارتفعت وانتشرت لمئات الكيلومترات، متسللة إلى التربة والمياه والهواء، ثم إلى أجساد البشر دون أن يروها أو يدركوا حقيقتها.
بدأت الآثار تظهر بصمت. قرى كاملة أُفرغت من سكانها سرًا.
طُلب من الناس مغادرة منازلهم دون تفسير واضح، ودون أن يُقال لهم إن الإشعاع هو السبب.
قيل فقط إن الأمر “لأسباب أمنية”.
الأطفال بدأوا يعانون من أمراض غامضة، والبالغون سقطوا واحدًا تلو الآخر، بينما استمر الصمت الرسمي بلا رحمة.
لم تُذكر كلمة “إشعاع”.
لم تُفتح السجلات الطبية.
عُدّلت الخرائط، ومُسحت أسماء القرى من الوجود، وكأن البشر الذين عاشوا هناك لم يكونوا يومًا.
لم يُقتل الضحايا بالإشعاع وحده، بل قُتلوا مرة أخرى حين أُخرجوا من التاريخ.
المرعب في هذه القصة ليس فقط حجم التلوث أو عدد المتضررين، بل أن العالم بأسره لم يعرف بما حدث إلا بعد نحو عشرين عامًا.
كارثة تُصنَّف اليوم كثالث أخطر حادث نووي في التاريخ، بعد تشيرنوبيل وفوكوشيما، بقيت مخفية خلف جدار من السرية المطلقة.
ما حدث قرب تشيليابينسك عام 1957 يذكّرنا بأن أخطر الكوارث ليست دائمًا تلك التي تُسمع أو تُرى، بل تلك التي تقع في صمت، حين يُفضَّل إخفاء الحقيقة على حماية البشر.
إنها قصة عن الإشعاع، نعم، لكنها قبل ذلك قصة عن النسيان، وعن الثمن الذي يدفعه الإنسان حين تُدفن الحقيقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق