هل يمكن لحياتك أن تكون مجرد فصل في كتاب لم يُكتب بعد؟ وهل خياراتك هي نتاج إرادتك الحرة، أم أنها شفرات جينية كُتبت قبل ولادتك؟
في عام 1980، هزت قصة ثلاثة شبان المجتمع الأمريكي، ليس فقط لأنهم توائم متطابقون التقوا صدفة بعد 19 عاماً من الفراق، بل لأن قصتهم كشفت عن واحدة من أكثر التجارب العلمية قسوةً وجدلاً في القرن العشرين. هذه هي القصة الكاملة لـ بوبي شافران، إدي غالاند، وديفيد كيلمان، التوائم الذين عاشوا كغرباء ليموت أحدهم كضحية لتجربة "الطبيعة ضد التنشئة".

الفصل الأول: الصدفة المستحيلة

بدأت القصة بمشهد سينمائي في كلية "مجتمع مقاطعة سوليفان" بنيويورك. وصل بوبي شافران، البالغ من العمر 19 عاماً، ليعيش أول أيامه الجامعية. لكنه فوجئ بترحيب حار وغير مبرر من طلاب لا يعرفهم؛ يصافحونه، يعانقونه، وينادونه باسم "إدي".

لم تكن مجرد حالة تشابه وجوه. اكتشف بوبي أن طالباً سابقاً يُدعى إدي غالاند كان يدرس هناك قبله بعام. دفعه الفضول للبحث عن إدي، وحين التقيا، توقف الزمن. كانا نسختين متطابقتين: نفس الملامح، نفس الضحكة، نفس اليدين.

نشرت الصحف المحلية القصة وصورتهما معاً، لتصل الصحيفة إلى يد شاب ثالث في منطقة كوينز، يُدعى ديفيد كيلمان. حدق ديفيد في الصورة ليرى وجهه مكرراً مرتين. اتصل بمنزل عائلة غالاند ونطق بجملة غيّرت حياتهم للأبد: "يا إلهي، إنهم ليسوا اثنين.. نحن ثلاثة!".

الفصل الثاني: نشوة اللقاء وشهر العسل

تحول الثلاثة إلى ظاهرة إعلامية. لقد كانوا متطابقين بشكل مخيف ليس فقط في الشكل، بل في السلوكيات التي تحكمها الجينات (الطبيعة):

  ثلاثتهم كانوا مصارعين في المدرسة الثانوية.

  يدخنون نفس نوع السجائر (Marlboro).

  يفضلون نفس النوع من النساء (الأكبر سناً).

  لديهم نفس طريقة الجلوس والكلام.

بدا الأمر وكأنه انتصار ساحق للجينات على البيئة. عاشوا حياة المشاهير، ظهروا في الأفلام، وافتتحوا مطعماً ناجحاً في نيويورك أسموه "Triplets" (التوائم). عاشوا الحلم الذي حُرموا منه طيلة طفولتهم، وبدا أن القدر قد صالحهم أخيراً.

الفصل الثالث: الحقيقة المظلمة (مؤامرة لويز وايز)

بينما كان الإخوة يحتفلون، كانت عائلاتهم بالتبني تبحث عن إجابات. لماذا فرقتهم وكالة التبني المرموقة "لويز وايز"؟ ولماذا لم يتم إبلاغهم بوجود أشقاء؟

كشفت التحقيقات عن حقيقة مرعبة: لم يكن الفراق قدراً، بل قراراً.

كان الثلاثة جزءاً من دراسة سرية قادها الطبيب النفسي النمساوي الشهير بيتر نيوباور، بتمويل حكومي غير معلن. كان الهدف حسم الجدل العلمي الأزلي: ما الذي يشكل الإنسان؟ جيناته (الطبيعة) أم تربيته (التنشئة)؟

لتحقيق ذلك، تعمد العلماء وضع الأطفال في بيئات اجتماعية واقتصادية متباينة بدقة متناهية:

  الطبقة العاملة (Blue Collar): ديفيد كيلمان، وُضع في منزل لأبوين مهاجرين، بيئة دافئة لكنها محدودة الموارد والتعليم.

  الطبقة المتوسطة (Middle Class): إدي غالاند، وُضع في منزل بضواحي الطبقة المتوسطة، مع أب صارم نوعاً ما.

  الطبقة الثرية (Affluent): بوبي شافران، وُضع في منزل محامٍ ثري، حيث الرفاهية والفرص المفتوحة.

كان الباحثون يزورون الأطفال لسنوات بحجة "متابعة تطور الطفل المتبنى"، يسجلون الملاحظات، ويصورونهم، دون أن يخبروا أياً منهم بوجود الآخر. لقد سرقوا طفولتهم باسم العلم.

الفصل الرابع: الانهيار والمأساة

مع انقشاع نشوة اللقاء، بدأت الفروقات البيئية (التنشئة) تظهر أنيابها، ومعها الصدمة النفسية لاكتشاف أنهم كانوا "فئران تجارب".

بدأت الخلافات تدب بينهم حول إدارة المطعم. ظهر أن قدرتهم على التعامل مع الضغوط كانت مختلفة تماماً باختلاف تربيتهم.

  بوبي (الذي نشأ في بيئة منفتحة) كان الأكثر اتزاناً.

  ديفيد (ابن العائلة المكافحة) كان عملياً وصلباً.

  إدي (الذي عانى من علاقة مضطربة مع والده بالتبني) كان الحلقة الأضعف عاطفياً.

عانى الثلاثة في مراهقتهم من مشاكل نفسية واكتئاب، وهو أمر أخفاه العلماء عن العائلات. لكن الصدمة بعد اللقاء كانت أكبر من قدرة إدي غالاند على الاحتمال. في عام 1995، وبعد نوبات اكتئاب حادة وشعور بالخيانة من العالم، أنهى إدي حياته انتحاراً.

الخاتمة: أرشيف مغلق ودرس للإنسانية

مات إدي، وانسحب ديفيد وبوبي من الحياة العامة لفترة. لم تُنشر الدراسة أبداً، إذ أدرك القائمون عليها فداحة الخطأ الأخلاقي الذي ارتكبوه. تم إيداع صناديق البيانات والنتائج في أرشيف جامعة "ييل"، مع تعليمات مشددة بعدم فتحها إلا في عام 2066 (حين يكون من المفترض أن جميع الأطراف قد فارقوا الحياة).

ماذا تعلمنا القصة؟

لقد أثبتت تجربة التوائم الثلاثة شيئاً واحداً: الجينات قد تمنحنا الشكل والطباع، لكن البيئة والحب هما ما يمنحاننا القدرة على البقاء.

لقد انتصر العلماء في جمع البيانات، لكنهم خسروا إنسانيتهم. وتظل قصة بوبي وإدي وديفيد تذكيراً صارخاً بأن البشر ليسوا أرقاماً، وأن روابط الدم أقوى من أي فرضية علمية، لكن كسرها قد يترك جرحاً لا يندمل أبداً.

نصيحة إضافية: إذا كنت مهتماً بمشاهدة توثيق حي لهذه القصة، أنصحك بمشاهدة الفيلم الوثائقي الحائز على الجوائز

 "Three Identical Strangers" (2018).