قد تكون مشيت يومًا فوق أكبر كائن حي على وجه الأرض…

من دون أن تشعر بشيء،

من دون أن ترى شيئًا،

ومن دون أن يخطر ببالك حتى أن تنظر إلى الأسفل.

في غابات ولاية أوريغون الأميركية، تبدو الأشجار عادية، والهواء باردًا، والتربة رطبة، وكل شيء يوحي بالهدوء والاستقرار.

 لكن تحت هذا المشهد الساكن، يمتد كائن واحد متصل وصامت، يحتل مساحة تقارب ألف هكتار، من دون أن يرفع رأسه أو يطلب انتباه أحد.

ليس حيوانًا.

ولا غابة.

إنه فطر.

كائن واحد… بلا شكل مرئي.

ما نراه على السطح ليس سوى خدعة بصرية. الفطر الصغير الذي يظهر بعد المطر ليس الكائن الحقيقي، بل مجرد إشارة عابرة إلى جسد هائل مخفي.

 الجسد الفعلي يعيش تحت الأرض، شبكة معقدة من الخيوط الدقيقة تتفرع وتلتقي، تعرف طريقها بدقة، وتعمل كوحدة واحدة متصلة.

هذه الشبكة لا تنام، ولا تتوقف، ولا تحتاج إلى ضوء الشمس. تمتد بهدوء بين جذور الأشجار، تتغذى، تتوسع، وتربط كل هذا الامتداد وكأنه جسد واحد بلا حدود واضحة.

عندما قام العلماء بتحليل عينات متفرقة من التربة في تلك المنطقة، كانت الصدمة أن النتائج جميعها تعود إلى مصدر واحد: البصمة الجينية نفسها، الكائن نفسه. عمره يتجاوز أعمار مدن كاملة عرفها البشر واندثرت.

طريقة بقائه لا تعتمد على الهجوم السريع أو الاستعراض. 

الفطر لا يصرخ، ولا يستعرض قوته، بل يراهن على الصبر.

 يتسلل إلى جذور الأشجار، يتعايش معها لفترة، ثم يُنهكها ببطء.

 شجرة تسقط هنا، وأخرى تضعف هناك، بينما الكائن تحت الأرض يستمر في التوسع، من دون أن نربط بين الأحداث أو نلاحظ الفاعل الحقيقي.

هو كظل طويل يتحرك ببطء شديد؛ لا يُرى، لكنه حاضر دائمًا.

الحيوان له جسد واضح، والشجرة يمكن رؤيتها، والجبل يمكن قياسه. أما هذا الكائن فلا يمنحك وجهًا، ولا مركزًا، ولا نقطة بداية أو نهاية.

 إذا دُمّر جزء منه، يلتف حول الضرر ويواصل نموه. وإذا قُطع مسار، أنشأ مسارًا آخر. كأنه غير معني بوجودنا أصلًا.

نحن نعيش فوقه، ونسير من فوقه، وربما نبني بيوتنا وطرقنا من دون أن ندرك أن تحتنا كائنًا حيًا متصلًا، صبورًا، وأقدم من معظم قصصنا البشرية.

ليس لأنه مخيف…

بل لأنه غير مرئي.

والحقيقة المدهشة أن هذا الكائن هو فطر العسل، ويُعد أكبر كائن حي معروف على وجه الأرض، إذ يعادل حجمه آلاف ملاعب كرة القدم، ويُقدَّر عمره بأكثر من 2400 عام.