بينما نعيش أيامنا العادية، يتشكّل في الخفاء مشروعٌ ضخم، لا تتناوله وسائل الإعلام، ولا يُطرح على منصّات المؤتمرات، لكنه يتحرّك بهدوء كظلٍّ ثقيل يزحف ببطء فوق المنطقة. 

مشروع لم يبدأ دفعة واحدة، بل نُسج على مدى سنوات من خلال عقود تقنية عابرة، وتحديثات في الأمن السيبراني، وظهور شركات غامضة سرعان ما تختفي. 

ولم تتّضح ملامحه الحقيقية إلا مؤخرًا، حين بدأت القطع المبعثرة تتكامل لتكشف عن كيان أكبر بكثير مما يتصوّره الناس.

انطلقت الفكرة عندما أدركت بعض القوى الكبرى أن موازين السيطرة لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية، بل بالتحكم في البيانات.

 وأن النفوذ الاقتصادي لا يحتاج إلى جيوش، بل إلى منظومة قادرة على مراقبة حركة البشر، والبضائع، والطاقة، والمال في الزمن الحقيقي، والتأثير فيها قبل أن يشعر أحد. 

من هنا ظهر ما يُعرف في الأوساط الضيّقة باسم “غرفة التحكم الإقليمية”، وهي شبكة غير معلنة، تتغلغل في البُنى الاقتصادية والأمنية لعدة دول، من دون أن تُنسب رسميًا إلى أي جهة.

في بداياته، بدا كل شيء طبيعيًا: مراكز للأمن الرقمي، تحديث لشبكات الاتصالات، إدخال أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة بذريعة مكافحة الجرائم المالية والتهرب الضريبي.

 غير أن هذه الأنظمة كانت تجمع أكثر مما يُفترض بها جمعه؛ تسجّل التحركات، التحويلات، مسارات الطاقة، وحتى أنماط السلوك الاقتصادي. 

ومع مرور الوقت، تكدّست هذه البيانات في مركز واحد، خارج حدود الدول، بلا اسم معروف ولا موقع مُعلن.

وفي عام 2024، ظهرت الإشارة الأكثر إثارة للقلق مع إطلاق مشروع “التوأم الرقمي”. 

قُدّم للعلن باعتباره أداة لتحسين الخدمات ومحاكاة البنى التحتية، لكنه في جوهره كان يصنع نسخة رقمية كاملة للمجتمع؛ نموذجًا افتراضيًا يعكس الاقتصاد والسكان والحركة العامة، ويكشف مكامن الضعف قبل وقوع الأزمات.

 كأن الواقع بات يُختبر أولًا داخل شاشة، ثم يُترك ليتحقق خارجه.

أما في 2025، فقد حدث التحول الحاسم.

 تغيّرت مسارات التجارة فجأة، أُغلقت شركات بلا أسباب واضحة، وحصلت أخرى على تسهيلات غير مبرّرة. 

موانئ بدّلت أدوارها، ومناطق مهمّشة تحوّلت إلى نقاط تركيز استراتيجي. 

بدا المشهد وكأن قوة خفية تعيد رسم الخريطة الاقتصادية من دون قرارات رسمية أو وجوه ظاهرة.

المطلعون على خفايا هذا النظام يؤكدون أن الجهة المشغّلة له تمتلك القدرة على خنق اقتصاد منطقة كاملة خلال أسابيع، أو إنعاشه من الصفر خلال أشهر، فقط عبر التحكم في تدفقات البيانات والطاقة والمال. 

والخطر الأكبر أن الدول المعنية لا تستطيع المجاهرة بما يحدث، لأن الاعتراف يعني الإقرار بأن مفهوم السيادة ذاته لم يعد كاملًا.

وفي الأسابيع الأخيرة، بدأت التصدعات تظهر بين الأطراف الساعية إلى توسيع المشروع، وتلك التي تخشى عواقبه. 

فهناك من يدفع لربطه بممرات استراتيجية كالبحر الأحمر، ومن يسعى لدمجه ضمن منظومة مراقبة عالمية، بينما يحاول آخرون تعطيله قبل أن تتحول دول بأكملها إلى مجرّد أرقام داخل منظومة رقمية واحدة، يُديرها طرف لا يظهر إلى العلن.

وما يجري اليوم أخطر مما تعترف به أي جهة، وأقرب إلينا مما نتصوّر.