إن حضور الأب في حياة الطفلة يترك بصمات عميقة في تكوينها النفسي والعاطفي، لا لأن غيابه يحكم عليها بالضعف، بل لأن وجوده الواعي والداعم يرسّخ داخلها شعورًا مبكرًا بالأمان والقيمة.
فالعلاقة الأولى التي تبني بها الطفلة فهمها للعالم، ولذاتها، وللآخرين، تتأثر بشكل مباشر بدرجة القرب والاحتواء الذي يمنحه الأب.
عندما تشعر الطفلة بأن هناك من يحميها ويستمع إليها ويمنحها العاطفة دون شروط، يتعلّم دماغها الهدوء والثقة.
هذه المشاعر لا تُعبَّر عنها دائمًا بالكلمات، لكنها تُخزَّن في الجسد والعقل على شكل طمأنينة داخلية وقدرة على التوازن.
ومع تكرار هذا الإحساس، ينخفض التوتر، وتصبح المشاعر أكثر استقرارًا، ويغدو التفكير أوضح، والنوم أهدأ، والجرأة على خوض التجارب أكبر.
في المقابل، حين يغيب هذا الحضور، تتعلّم بعض الفتيات الاعتماد على أنفسهن في وقت مبكر جدًا.
قد لا يبدو ذلك ضعفًا، لكنه غالبًا ما يكون قسوة خفية على الذات.
يتكوّن الحذر بدل الثقة، والترقّب بدل الاطمئنان، ويصبح التعبير عن الحاجة أمرًا مؤجَّلًا أو مكبوتًا.
هذه الآليات لا تظهر دائمًا بوضوح، لكنها تترك أثرها في طريقة التعامل مع العلاقات ومع الذات.
ومع مرور السنوات، تتحوّل اللحظات الصغيرة من الاحتواء إلى أساس متين لتقدير الذات.
تتعلّم الفتاة أن احترامها لنفسها ليس أمرًا مكتسبًا من الخارج، بل شعورًا داخليًا راسخًا.
تدرك أن حدودها مهمة، وأن محبتها لذاتها لا تحتاج إلى إثبات دائم، وأن العلاقات الصحية لا تقوم على الألم أو الخوف.
إن الأب لا يؤثر في حياة ابنته بما يقدّمه ماديًا فقط، بل بما يمنحه من حضور واهتمام وإنصات.
فالكلمات الدافئة، والاحتواء الصادق، والعناق في الوقت المناسب، كلها تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنها قادرة على تشكيل إنسانٍ واثق، متوازن، وقادر على خوض الحياة بقلب أكثر اطمئنانًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق