من يشاهد التماثيل والمنحوتات الآشورية العظيمة، سرعان ما تبهر هيبتها وقوة تفاصيلها بصره، ولكن ثمة تفصيل دقيق يتكرر على معاصم الملوك والمحاربين: سوار عريض يتوسطه نقش لزهرة البابونج. هذا السوار لم يكن مجرد قطعة حلي، بل كان يحمل هوية أرض ونبوءة نصر.

زهرة نينوى: من تربة الأرض إلى ذهب التيجان

كانت أرض نينوى، العاصمة المتلألئة للدولة الآشورية، تشتهر بحقول البابونج التي كانت تعتبرها الحضارة الآشورية "هدية من الأرض". لم يكن الآشوريون ينظرون لهذه الزهرة كباقي الزهور، بل قدسوها لعدة أسباب:

 * الطب والشفاء: استُخدم البابونج كعلاج أساسي في "الصيدلية الآشورية" القديمة، فكان رمزاً للصحة والتعافي.

 * الزينة والجمال: بساطة شكل الزهرة وتناظر أوراقها ألهمت الحرفيين لصياغتها في الذهب والبرونز.

الربيع والنصر: فلسفة "البابونج" العسكرية

قد يبدو غريباً أن يرتدي محارب أشوري شديد البأس نقشاً لزهرة رقيقة، لكن الفلسفة الآشورية ربطت بين البابونج والنصر:

 * دورة الحياة: كان تفتح البابونج في الربيع يعلن عودة الحياة وبدء مواسم الغزو والانتصارات الجديدة.

 * رمزية الربيع: تماماً كما يفرض الربيع سيطرته على الشتاء، كان الآشوريون يرون في أنفسهم القوة التي تفرض النظام والازدهار في المنطقة.

 * النقاء والقوة: اللون الأبيض للأوراق والأصفر للمركز كان يرمز للنقاء المرتبط بالآلهة، مما يعطي المرتدي حماية إلهية.

دقة النحت: الوفاء للتفاصيل

ما يثير الدهشة في المنحوتات الآشورية هو الدقة المتناهية في تصوير بتلات البابونج، حيث تظهر الزهرة وكأنها تتوسط قرص الشمس، مما يربطها أيضاً بالرموز السماوية. هذا السوار كان يُصنع غالباً من معادن نفيسة، ويُثبت على المعصم كدليل على الرفعة والمكانة المرموقة في البلاط الملكي.

> "إن سوار البابونج يثبت أن الآشوريين، رغم قوتهم العسكرية الضاربة، كانوا يمتلكون أرواحاً فنية مرهفة، تدرك أن القوة الحقيقية هي تلك التي تنبع من قلب الأرض وتزهر انتصاراً."