في تلك الليالي، كان القصر يبدو ساكنًا من الخارج، مضاءً بنوافذ عالية وستائر ثقيلة، بينما في الأسفل كان القبو يتحول إلى عالم آخر.
جدرانه الرطبة تحفظ الأسرار، وأرضه الحجرية شهدت خوفًا لا يليق بطفولة.
كان دون أوريليو يؤمن أن القسوة تصنع رجالًا، وأن الألم وسيلة لصقل الطاعة، فكان يفرض عقاباته ببرودٍ تام، غير عابئ بدموع أو توسلات.
دونيا ريميديوس كانت تعلم، لكنها اختارت الصمت.
لم يكن صمت الجهل، بل صمت العجز والخوف من رجل يملك المال والسمعة والسلطة الاجتماعية.
كانت تبرر لنفسها بأن الزمن قاسٍ، وأن الأب يعرف مصلحة أبنائه، بينما كانت صلواتها تزداد طولًا، وكأنها تحاول التكفير عن عجزها بالابتهال.
كبر الأبناء وهم يحملون وجوهًا مختلفة للعالم.
كارمن تعلمت أن تبتسم وتخفي الألم خلف هدوء مصطنع.
روبيرتو أصبح صلبًا، قاسي الملامح، كأنه يتقمص صورة أبيه ليحمي نفسه.
ريكاردو اختار الصمت والانسحاب، يعيش في ظله الخاص.
سوليداد كانت ترتجف عند أي صوت مرتفع، أما توماس، الأصغر، فكان لا يفهم لماذا يتحول البيت إلى مكان مخيف بعد غروب الشمس.
ومع مرور السنوات، بدأت الشقوق تظهر في صورة العائلة المثالية.
همسات الخدم، نظرات الجيران، وأسئلة لا تجد إجابات واضحة.
لم يعد القبو مجرد مكان مخفي تحت الأرض، بل صار رمزًا لثقل الأسرار التي لا بد أن تطفو يومًا ما.
ففي مدينة تعيش بين ماضٍ تقليدي وحاضرٍ يتغير، لم يكن كل شيء قابلًا للدفن إلى الأبد، وبعض الصرخات، مهما خُنقت، تعرف طريقها إلى الضوء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق