في الساعات التي تلت آخر تحديث ظهر على منصة «إكس»، حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه.

ميزة بسيطة—كان يُفترض أنها تقنية بحتة—تحوّلت إلى واحدة من أكبر الهزّات التي تعرّضت لها شبكات التواصل خلال العقد الأخير.

الميزة كانت تسمح، لبضع ساعات فقط، بمشاهدة الموقع التقريبي الحقيقي للحسابات التي تتابعها.

ليس الموقع الذي يكتبه المستخدم بيده… بل مكان البث الفعلي للجهاز.

وبمجرد أن أصبحت الخاصية متاحة، ملايين المستخدمين حول العالم اندفعوا ليروا:

من يقف خلف الحسابات الأكثر نشاطًا؟

من يدير موجات الشتائم، والتحريض، والفتن السياسية؟

وهنا بدأت المفاجآت تظهر واحدةً تلو الأخرى.

الحسابات التي تهاجم دولًا عربية بأسماء عربية، ظهرت مواقعها من مدن لا علاقة لها بالمنطقة.

صفحات تبدو “وطنية” بلهجات محلية، اتضح أنها تُدار من خارج حدود أي وطن.

وحسابات لطالما أشعلت خلافات بين شعوب عربية—من المغرب العربي إلى الخليج—ظهرت في دول أوروبية، وآسيوية، وأحيانًا من داخل مراكز تقنية متقدمة.

لكن الأغرب لم يكن هذا…

كان اكتشاف أن آلاف الحسابات التي تتحدث بلهجة عربية مصقولة، وتثير صراعات بين الشعوب، وتظهر وكأنها “غضب جماهيري”، تنتمي في الأصل إلى شبكات تأثير منظمة، بعضها معروف دوليًا بأنه جزء من وحدات حرب سيبرانية تابعة لجيوش ومؤسسات مخابرات في عدة بلدان حول العالم.

هذه الوحدات—وفق تقارير بحثية من مراكز كبرى مختصة بالأمن الرقمي—تُعرف بتنفيذ عمليات تأثير نفسية، وصناعة محتوى مُوجَّه، وبناء جيوش من الحسابات الوهمية والبوتات، بعضها يحاكي اللهجات المحلية بدقة، ويعمل على مدار 24 ساعة لإشعال الرأي العام، وإظهار الانقسام وكأنه “حالة شعبية”.

ومع انتشار هذه الاكتشافات، بدأ المستخدمون يربطون النقاط:

كيف يمكن لحساب واحد أن ينشر بالآلاف يوميًا؟

كيف تظهر حسابات فجأة، وتختفي فجأة، بعد كل حملة تحريضية؟

ولماذا تتكرر نفس الجُمل، ونفس الأساليب، ونفس الاستفزازات؟

خلال أقل من ساعة، آلاف الحسابات أُغلقت تلقائيًا.

الميزة اختفت.

والجدل انفجر.

وبينما كانت الأنظار تتجه إلى العالم العربي، كانت موجة أخرى تضرب الولايات المتحدة نفسها.

مستخدمو أمريكا اكتشفوا أن حسابات سياسية عالية النشاط—تبدو أمريكية بالكامل—تُدار من دول متعددة معروفة بتدخلاتها الرقمية في الانتخابات، وبناء جيوش إلكترونية لتحقيق أهداف سياسية محددة.

الأمر تجاوز فكرة “اختلاف آراء على الإنترنت”.

ما كشفه الخطأ المؤقت في منصة إكس أعاد فتح ملف لطالما تجاهله العالم:

منصات التواصل أصبحت ساحات حرب نفسية مفتوحة.

حروب تُدار من وراء الشاشات، عبر أدوات دقيقة، تعرف كيف تزرع الغضب، وتضخم الخلافات، وتحوّل كل نقاش إلى معركة.

ومع ذلك، بقي شيء واحد واضحًا تمامًا:

ما نراه يوميًا ليس دائمًا انعكاسًا لما تفكر به الشعوب…

بل ما يريد البعض أن نعتقد أن الشعوب تفكر به.

ووسط كل هذا الضجيج، تبقى الحقيقة الصادمة التي أدركها ملايين المستخدمين:

الانقسام قد لا يكون بين الشعوب… بل بين الحقيقة والضوضاء المصطنعة التي تحيط بها.