في البداية، لم يكن الأمر سوى حقيبة سفر.
حقيبة أُخرجت من قناة مائية في منطقة ويست ميدلاندز، ثقيلة إلى حد جعل عمال القنوات ذوي الخبرة يتوقفون للحظة.
كان وزنها غير مألوف، كثيفًا، غير متوازن، وكأنه يقاوم الحركة.
لم تُفتح الحقيبة، بل أُبلغت الشرطة فورًا، وكان ذلك القرار بداية سلسلة من الاكتشافات التي غيّرت مسار القضية بالكامل.
نُقلت الحقيبة، لا إلى غرفة أدلة تقليدية، بل إلى مستشفى جامعة كوفنتري ووارويكشير.
قبل كسر القفل أو لمس المحتويات، تقرر فحصها باستخدام التصوير المقطعي المحوسب الطبي.
اختير العلم ليتكلم أولًا بدل الأيدي.
ومع ظهور الصور طبقة بعد أخرى، انكشفت الحقيقة التي حاول الماء والزمن إخفاءها: بقايا بشرية مضغوطة بإحكام داخل حدود الحقيبة الصلبة.
جسد قُسّم بعناية قاسية، حُفظ رقميًا كما وُجد، شاهدًا صامتًا قبل أي تدخل بشري.
عند فتح الحقيبة لاحقًا، أكدت المعاينة ما كشفته الصور.
كانت هناك بقايا رجل بالغ في حالة تحلل متقدم.
الفحص الدقيق أظهر غياب الرأس، واختفاء الذراعين، وفقدان الساق اليسرى من الأسفل.
لم يسمح ما تبقى بتحديد سبب الوفاة، فقد محا الزمن والماء الكثير من الأدلة الحاسمة.
لم تكن القضية لغزًا واحدًا، بل عدة ألغاز متداخلة.
تحركت التحقيقات على مسارات متوازية: البحث عن الأجزاء المفقودة، تحديد هوية الضحية، معرفة مكان التخلص من الجسد في الأصل، والوصول إلى من يقف خلف هذه الجريمة.
أصبحت القناة المائية أول خيط يُمسك به.
وبافتراض أن بقية الأجزاء أُلقيت في مكان قريب، بدأت فرق البحث العمل عكس اتجاه التيار.
وبالفعل، عُثر على حقيبة ثانية.
لم تكن وحدها؛ إذ وُجدت معها أدوات: منشار، وسكين مطبخ، ومطرقة، وإزميل.
أدوات يومية تحولت إلى وسائل تنفيذ وتخطيط.
خضعت الحقيبة الثانية للتصوير المقطعي أيضًا، وهذه المرة كشفت الصور ما كان مفقودًا: الرأس، والذراعان، والساق.
اكتمل الجسد تقريبًا، باستثناء جزء واحد ظل غائبًا، وهو مفصل الكتف الأيسر.
بهذا التدرج البطيء، أعاد العلم تركيب ما حاول العنف تشتيته.
ولم تأتِ هوية الضحية من التعرف البصري، بل من البيانات: الحمض النووي، وبصمات الأصابع، والوشوم التي اختارها صاحبها في حياته، وظلت شاهدة بعد موته.
أكدت الفحوص أن محتويات الحقيبتين تعودان للشخص نفسه.
لم تكن تقنية التصوير المقطعي مجرد أداة لفحص حقائب مغلقة، بل وسيلة لحفظ الحقيقة قبل تلوثها، ومنح الوضوح دون انتهاك، وتحويل التكنولوجيا الطبية إلى شاهد جنائي صامت.
لم تكن هذه قضية تقطيع جسد فحسب، بل قصة عمّا يبقى حين يحاول أحدهم محو إنسان بالكامل، وكيف أن الجسد، حتى وهو مجزأ، يصرّ على أن يُعرَف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق